تاريخ الإنترنت الموجز: من اخترعه، كيف يعمل، وكيف أصبح الشبكة العالمية التي نستخدمها اليوم

دقائق القراءة: 12

سأبدأ بتوضيح بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة حول الإنترنت. فالإنترنت ليس هو الويب، وليس سحابة، وبالتأكيد ليس سحراً. قد يبدو لنا كأمر بديهي نعمله دون تفكير، لكن وراء الكواليس تجري عمليات معقدة ومتكاملة لتشغيله. فما هو الإنترنت إذاً؟

ببساطة، الإنترنت هو مجموعة هائلة من الأسلاك والكابلات التي تربط أجهزة الكمبيوتر حول العالم. إنه بنية تحتية عالمية، شبكة ضخمة من الحواسيب المترابطة التي تتواصل فيما بينها بطرق موحدة عبر بروتوكولات محددة. في جوهره، هو "شبكة من الشبكات"، نظام موزع بالكامل من أجهزة الحوسبة يضمن الاتصال الشامل من طرف إلى طرف عبر كل جزء من أجزاء الشبكة. الهدف الأسمى هو تمكين أي جهاز من التواصل مع أي جهاز آخر.

تصور لمسار توجيه محتمل للبيانات عبر شبكة الإنترنت العالمية

لا شك أن الإنترنت أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، بل إن الكثيرين لا يتخيلون العيش بدونه. لقد أحدث الإنترنت وما وفره من تقدم تكنولوجي ثورة في مجتمعاتنا؛ فقد غير طبيعة وظائفنا، وطرق استهلاكنا للأخبار ومشاركتنا للمعلومات، وأساليب تواصلنا. كما فتح آفاقاً لا حصر لها من الفرص، وساهم في تقدم البشرية وصقل تجربتنا الإنسانية. إنه اختراع فريد من نوعه، ويُعد بحق أحد أعظم الابتكارات على مر العصور.

لكن هل نتوقف يوماً لنتساءل عن سبب إنشائه في المقام الأول؟ كيف حدث كل هذا؟ ومن هم العقول التي تقف وراءه؟ وكيف تطور الإنترنت ليصبح على ما هو عليه اليوم؟

هذا المقال هو رحلة عبر الزمن، سنتتبع فيها أصول الإنترنت وكيف قطع شوطاً طويلاً على مر السنين، وهو ما قد يكون مفيداً في مسيرتنا البرمجية. إن التعمق في تاريخ إنشاء الإنترنت يبرز حقيقة أن كل شيء يؤول إلى حل المشكلات، وهذا هو جوهر البرمجة: تحديد مشكلة، السعي لإيجاد حل لها، ثم تحسين هذا الحل وتطويره.

لم يكن الإنترنت، هذه التقنية الشاسعة والمتغيرة باستمرار، نتاج عمل شخص واحد أو مؤسسة واحدة. بل ساهم العديد من الأشخاص في نموه من خلال تطوير ميزات جديدة، مما جعله يتطور بمرور الوقت. لقد استغرق تطويره ما لا يقل عن 40 عاماً وما زال في تطور مستمر. ولم يُخلق الإنترنت لمجرد الاختراع، بل كان الإنترنت الذي نعرفه ونستخدمه اليوم نتيجة لتجربة رائدة تُعرف باسم ARPANET، وهي الشبكة السابقة للإنترنت. وكل هذا بدأ بسبب مشكلة.

الشرارة الأولى: الخوف من Sputnik

في خضم الحرب الباردة، وتحديداً في 4 أكتوبر 1957، أطلق الاتحاد السوفيتي أول قمر صناعي من صنع الإنسان إلى الفضاء، وأطلق عليه اسم Sputnik. كان هذا الحدث، كونه أول جسم اصطناعي يدور في الفضاء، بمثابة إنذار خطير للأمريكيين. لم يكن السوفييت متقدمين في العلوم والتكنولوجيا فحسب، بل كانوا يشكلون تهديداً حقيقياً. خشي الأمريكيون من أن يتجسس السوفييت على أعدائهم، وأن ينتصروا في الحرب الباردة، وأن الهجمات النووية على الأراضي الأمريكية أصبحت ممكنة.

صورة للقمر الصناعي السوفيتي سبوتنيك، أول قمر صناعي يدور حول الأرض

نتيجة لذلك، بدأ الأمريكيون في التفكير بجدية أكبر في العلوم والتكنولوجيا. وبعد صحوة Sputnik، انطلق سباق الفضاء. ولم يمض وقت طويل حتى قامت الإدارة الأمريكية في عام 1958 بتمويل العديد من الوكالات، كان من بينها وكالة ARPA.

يرمز ARPA إلى Advanced Research Project Agency (وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة). لقد كان مشروعاً بحثياً تابعاً لوزارة الدفاع في مجال علوم الكمبيوتر، ووسيلة للعلماء والباحثين لتبادل المعلومات والنتائج والمعرفة والتواصل. كما ساعد هذا المشروع في تطوير وتطور مجال علوم الكمبيوتر. وفي هذه الوكالة، بدأت رؤية J.C.R. Licklider، أحد مديري ARPA، في التشكل خلال السنوات القادمة. بدون ARPA، لم يكن الإنترنت ليوجد. فبفضل هذه المؤسسة، تم إنشاء أول نسخة من الإنترنت، وهي شبكة ARPANET.

بناء شبكة عالمية من الحواسيب: رؤية Licklider

على الرغم من أن Licklider غادر ARPA قبل سنوات قليلة من إنشاء ARPANET، إلا أن أفكاره ورؤيته وضعت الأسس واللبنات الأولى لإنشاء الإنترنت. قد نعتبر تطوره إلى ما نعرفه اليوم أمراً مسلماً به، لكن الحواسيب في ذلك الوقت لم تكن كما نعرفها الآن. كانت ضخمة ومكلفة للغاية، وكانت تُنظر إليها على أنها آلات لمعالجة الأرقام وحاسبات في الغالب، ولا يمكنها أداء سوى عدد محدود من المهام.

في عصر الحواسيب المركزية (mainframe computers)، كان كل جهاز قادراً على تشغيل مهمة محددة فقط. ولإجراء تجربة تتطلب مهام متعددة، كان الأمر يستلزم أكثر من جهاز كمبيوتر واحد، مما يعني شراء أجهزة باهظة الثمن. فما هو الحل لذلك؟

الحل كان يكمن في ربط عدة أجهزة كمبيوتر بنفس الشبكة وجعل هذه الأنظمة المختلفة تتحدث نفس اللغة لتتمكن من التواصل مع بعضها البعض. لم تكن فكرة ربط أجهزة كمبيوتر متعددة بشبكة جديدة تماماً؛ فقد كانت هناك بنية تحتية مماثلة موجودة في الخمسينيات من القرن الماضي تُعرف باسم شبكات المناطق الواسعة (WANsWide Area Networks). ومع ذلك، كانت شبكات WANs تعاني من العديد من القيود التكنولوجية، وكانت مقيدة بمناطق جغرافية صغيرة وبقدراتها التشغيلية. فكل آلة كانت تتحدث "لغتها" الخاصة، مما جعل التواصل مع الآلات الأخرى مستحيلاً.

لذا، كانت فكرة "الشبكة العالمية" التي اقترحها Licklider ثم شاعها في أوائل الستينيات ثورية. لقد ارتبطت برؤيته الأكبر، وهي التعايش المثالي بين الحواسيب والبشر. كان Licklider متأكداً من أن الحواسيب في المستقبل ستحسن جودة الحياة وتتخلص من المهام المتكررة، مما يترك مساحة ووقتاً للبشر للتفكير بشكل إبداعي وأعمق، وإطلاق العنان لخيالهم. هذا لم يكن ليتحقق إلا إذا كسرت الأنظمة المختلفة حاجز اللغة واندمجت في شبكة أوسع. هذه الفكرة، فكرة "الشبكات" (Networking)، هي ما يشكل الإنترنت الذي نستخدمه اليوم؛ إنها في الأساس الحاجة إلى معايير مشتركة لتواصل الأنظمة المختلفة.

بناء شبكة موزعة بتبديل الرزم (Packet Switching)

حتى هذه النقطة (نهاية الستينيات)، عندما كنت ترغب في تشغيل مهام على أجهزة الكمبيوتر، كانت البيانات تُرسل عبر خط الهاتف باستخدام طريقة تسمى "تبديل الدوائر" (Circuit Switching). هذه الطريقة كانت تعمل بشكل جيد للمكالمات الهاتفية، لكنها كانت غير فعالة للغاية لأجهزة الكمبيوتر والإنترنت. باستخدام هذه الطريقة، كان بإمكانك إرسال البيانات كحزمة كاملة (full packet) فقط، أي البيانات المرسلة عبر الشبكة، وإلى جهاز كمبيوتر واحد فقط في كل مرة. كان من الشائع أن تُفقد المعلومات ويجب إعادة تشغيل الإجراء بأكمله من البداية. كانت هذه الطريقة تستغرق وقتاً طويلاً وغير فعالة ومكلفة. وفي عصر الحرب الباردة، كانت خطيرة أيضاً؛ فأي هجوم على نظام الهاتف كان سيدمر نظام الاتصالات بأكمله.

كان الحل لهذه المشكلة هو "تبديل الرزم" (Packet Switching). لقد كانت طريقة بسيطة وفعالة لنقل البيانات. فبدلاً من إرسال البيانات كتيار واحد كبير، تقوم بتقطيعها إلى أجزاء صغيرة. ثم تقسم حزم المعلومات إلى كتل وتُرسلها بأسرع ما يمكن وفي أكبر عدد ممكن من الاتجاهات، بحيث يسلك كل جزء مساره الخاص والمختلف في الشبكة، حتى يصل إلى وجهته. وبمجرد وصولها، يتم إعادة تجميعها. هذا ممكن لأن كل رزمة (packet) تحتوي على معلومات حول المرسل والوجهة ورقماً تسلسلياً، مما يسمح للمستقبل بإعادة تجميعها في شكلها الأصلي.

تم بحث هذه الطريقة من قبل علماء مختلفين، ولكن أفكار Paul Baran حول الشبكات الموزعة تم تبنيها لاحقاً من قبل ARPANET. كان Baran يحاول ابتكار نظام اتصالات يمكنه النجاة من هجوم نووي؛ أي أنه أراد اكتشاف نظام اتصالات يمكنه التعامل مع الفشل. وقد توصل إلى استنتاج مفاده أن الشبكات يمكن بناؤها حول نوعين من الهياكل: مركزية وموزعة. ومن هذه الهياكل، نشأت ثلاثة أنواع من الشبكات: مركزية، لامركزية، وموزعة. ومن بين هذه الأنواع الثلاثة، كان النوع الأخير فقط هو القادر على النجاة من الهجوم.

رسم بياني يوضح الفروقات بين الشبكات المركزية واللامركزية والموزعة

إذا دُمر جزء من هذا النوع من الشبكات (الموزعة)، فإن بقية الشبكة ستظل تعمل وستُنقل المهمة ببساطة إلى جزء آخر. في ذلك الوقت، لم يكن لديهم توسع سريع للشبكة في الاعتبار؛ لم نكن بحاجة إليه. وفي السنوات القادمة فقط بدأ هذا التوسع في التشكل. كانت أفكار Baran سابقة لعصرها، ومع ذلك، فقد وضعت الأساس لكيفية عمل الإنترنت الآن. لقد كانت شبكة تبديل الرزم التجريبية ناجحة، وأدت إلى الإنشاء المبكر لبنية ARPANET التي تبنت هذه الطريقة.

كيف تم بناء ARPANET؟

ما بدأ كاستجابة لتهديد الحرب الباردة كان يتحول إلى شيء مختلف تماماً. بدأ النموذج الأولي الأول للإنترنت في التشكل ببطء، وتم بناء أول شبكة كمبيوتر، وهي ARPANET. أصبح الهدف الآن هو مشاركة الموارد، سواء كانت بيانات أو نتائج بحثية أو تطبيقات. كان من شأن ذلك أن يسمح للناس، بغض النظر عن مكان وجودهم، بالاستفادة من قوة الحوسبة المكلفة الموجودة في أماكن بعيدة، كما لو كانت أمامهم مباشرة.

حتى هذه النقطة، لم يتمكن العلماء من استخدام الموارد المتاحة على أجهزة الكمبيوتر الموجودة في مواقع أخرى. كان كل جهاز كمبيوتر مركزي (mainframe computer) يتحدث لغته الخاصة، مما أدى إلى نقص في التواصل وعدم التوافق بين الأنظمة. ولكن لكي تكون أجهزة الكمبيوتر فعالة، كان لا بد أن تتحدث نفس اللغة وأن ترتبط ببعضها البعض في شبكة.

لذا، كان الحل هو بناء شبكة تُنشئ روابط اتصال بين العديد من الحواسيب المركزية العملاقة التي تشارك الموارد والتي كانت تفصلها أميال. بدأ بناء شبكة تجريبية وطنية بتبديل الرزم تربط المراكز التي تديرها الوكالات والجامعات.

في 29 أكتوبر 1969، أجرت أجهزة كمبيوتر مختلفة أول اتصال لها وتواصلت، وهو اتصال "من عقدة إلى عقدة" (node-to-node) من جهاز كمبيوتر إلى آخر. كانت تجربة على وشك إحداث ثورة في الاتصالات. تم تسليم أول رسالة على الإطلاق من جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس (UCLA) إلى معهد ستانفورد للأبحاث (SRI). وقد قرأت ببساطة "LO". ما كان من المفترض أن يكون "LOGIN" لم يكن ممكناً في البداية، حيث تعطل النظام واضطر إلى إعادة التشغيل. لكنه نجح! لقد تم اتخاذ الخطوة الأولى وتم كسر حاجز اللغة. وبحلول نهاية عام 1969، تم إنشاء اتصال بين أربع عقد على الشبكة بأكملها، والتي شملت UCLA، SRI، جامعة كاليفورنيا سانتا باربرا (UCSB)، وجامعة يوتا.

خريطة توضح العقد الأربع الأولى لشبكة ARPANET في عام 1969

لكن الشبكة نمت باطراد على مر السنين وانضمت إليها المزيد والمزيد من الجامعات. وبحلول عام 1973، كانت هناك عقد تربط حتى إنجلترا والنرويج. نجحت ARPANET في ربط مراكز الحوسبة الفائقة هذه التي تديرها الجامعات معاً في شبكتها.

كان أحد أعظم إنجازات ذلك الوقت هو ظهور ثقافة جديدة. ثقافة تتمحور حول حل المشكلات عبر المشاركة وإيجاد أفضل حل ممكن بشكل جماعي عبر الشبكات. خلال ذلك الوقت، كان العلماء والباحثون يتساءلون عن كل جانب من جوانب الشبكة، الجوانب التقنية وكذلك الجانب الأخلاقي للأمور أيضاً. كانت البيئات التي كانت تجري فيها هذه المناقشات مرحبة للجميع وخالية من التسلسلات الهرمية. كان الجميع أحراراً في التعبير عن رأيهم والتعاون لحل المشكلات الكبيرة التي نشأت. نرى هذا النوع من الثقافة ينتقل إلى الإنترنت اليوم. من خلال المنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي وما شابه ذلك، يطرح الناس أسئلة للحصول على إجابات أو يجتمعون للتعامل مع المشكلات، أياً كانت، التي تؤثر على الحالة والتجربة الإنسانية.

مع مرور الوقت، ظهرت المزيد من شبكات تبديل الرزم المستقلة التي لم تكن مرتبطة بـ ARPANET (التي كانت موجودة على المستوى الدولي وبدأت تتكاثر بحلول السبعينيات). كان ذلك تحدياً جديداً. كانت هذه الشبكات المختلفة لها "لهجاتها" الخاصة، ومعاييرها الخاصة لكيفية نقل البيانات. كان من المستحيل عليها الاندماج في هذه الشبكة الأكبر، الإنترنت الذي نعرفه اليوم. جعل هذه الشبكات المختلفة تتحدث مع بعضها البعض، أو "الربط الشبكي" (Internetworking)، وهو مصطلح استخدمه العلماء لهذه العملية، أثبت أنه تحدٍ كبير.

الحاجة إلى معايير مشتركة: تحدي الربط الشبكي

في عصرنا الحالي، صُممت أجهزتنا لتتصل بالشبكة العالمية الأوسع تلقائياً وبسهولة. لكن في الماضي، كانت هذه العملية مهمة معقدة للغاية. هذه البنية التحتية العالمية، "شبكة الشبكات" التي نسميها الإنترنت، تعتمد على بروتوكولات معينة متفق عليها. هذه البروتوكولات تحدد كيفية تواصل الشبكات وتبادل البيانات.

منذ الأيام الأولى لـ ARPANET، كانت لا تزال تفتقر إلى لغة مشتركة تسمح لأجهزة الكمبيوتر خارج شبكتها بالتواصل مع الأجهزة داخلها، على الرغم من أنها كانت شبكة آمنة وموثوقة تعتمد على تبديل الرزم. كيف يمكن لهذه الشبكات المبكرة أن تتواصل مع بعضها البعض؟

كانت هناك حاجة لتوسيع الشبكة بشكل أكبر لتحقيق رؤية "الشبكة العالمية". لبناء شبكة مفتوحة من الشبكات، كان لا بد من وجود بروتوكول عام، أي مجموعة من القواعد. يجب أن تكون هذه القواعد صارمة بما يكفي لضمان نقل آمن للبيانات، وفي الوقت نفسه مرنة بما يكفي لاستيعاب جميع الطرق التي يتم بها نقل البيانات.

TCP/IP: بروتوكولات الإنقاذ

بدأ كل من Vint Cerf و Bob Kahn العمل على تصميم ما نسميه الآن الإنترنت. وفي عام 1978، تم إنشاء بروتوكول التحكم في الإرسال (Transmission Control Protocol) وبروتوكول الإنترنت (Internet Protocol)، المعروفين معاً باسم TCP/IP.

كانت القواعد الأساسية للربط الشبكي كالتالي:

  • لم يُطلب من الشبكات المستقلة إجراء أي تغييرات جوهرية على بنيتها.
  • كان هناك سعي حثيث لتحقيق التواصل بينها.
  • ستظل الشبكات الداخلية موجودة، بالإضافة إلى بوابات (gateways) تربط هذه الشبكات. وستكون مهمة هذه البوابات هي الترجمة بين الشبكات المختلفة.
  • سيكون هناك بروتوكول عالمي واحد ومتفق عليه لهذا الغرض.
  • لن يكون هناك تحكم مركزي، أي لا يوجد شخص أو منظمة واحدة مسؤولة عن الشبكة بأكملها.

وكما أوضح Cerf: "مهمة TCP هي ببساطة أخذ تيار من الرسائل التي ينتجها مضيف (HOST) واحد وإعادة إنتاج هذا التيار في مضيف (HOST) استقبال أجنبي دون تغيير." أما بروتوكول الإنترنت (IP) فيجعل تحديد موقع المعلومات ممكناً عند البحث بين العدد الهائل من الأجهزة المتاحة.

كيف تنتقل البيانات عبر TCP/IP؟

كيف تنتقل الرزمة (packet) من وجهة إلى أخرى؟ لنفترض من المرسل إلى المستقبل؟ وما هو الدور الذي يلعبه TCP/IP في ذلك، وكيف يجعل هذه الرحلة ممكنة؟

عندما يرسل المستخدم أو يستقبل معلومات، تكون الخطوة الأولى هي قيام بروتوكول TCP على جهاز المرسل بتقسيم تلك البيانات إلى رزم (packets) وتوزيعها. تنتقل هذه الرزم من موجه (router) إلى موجه عبر الإنترنت. خلال هذه العملية، يكون بروتوكول IP مسؤولاً عن عنونة هذه الرزم وتوجيهها. في النهاية، يقوم بروتوكول TCP بإعادة تجميع الرزم إلى حالتها الأصلية، لتعود البيانات كما كانت قبل الإرسال.

ماذا حدث بعد ذلك للإنترنت؟ ظهور الويب

طوال فترة الثمانينيات، تم اختبار بروتوكول TCP/IP بدقة وتم اعتماده من قبل العديد من الشبكات. استمر الإنترنت في النمو والتوسع بسرعة هائلة. بدأت "شبكة الشبكات" العالمية المترابطة في التحقق أخيراً.

في تلك الفترة، كان الإنترنت لا يزال يستخدم على نطاق واسع بشكل أساسي من قبل الباحثين والعلماء والمبرمجين لتبادل الرسائل والمعلومات. أما عامة الناس، فكانوا غير مدركين تماماً لوجوده.

لكن هذا الوضع كان على وشك التغير في أواخر الثمانينيات، عندما تحول الإنترنت مرة أخرى. كان هذا بفضل Tim Berners Lee الذي قدم "الويب" (the Web)، وهو الشكل الذي نعرف به الإنترنت ونستخدمه اليوم.

انتقل الإنترنت من مجرد إرسال رسائل من جهاز كمبيوتر إلى آخر إلى إنشاء طريقة سهلة الوصول وبديهية للأشخاص لتصفح ما كان في البداية مجموعة من المواقع الإلكترونية المترابطة. لقد بُني الويب فوق الإنترنت، فالإنترنت هو العمود الفقري له.

الخلاصة التقنية

لقد كشفت رحلة تطور الإنترنت عن قصة ملهمة من الابتكار البشري والتعاون اللامحدود. ما بدأ كاستجابة لتهديدات الحرب الباردة، وتحول إلى مشروع بحثي لتبادل الموارد، نما ليصبح العمود الفقري لعالمنا الرقمي. من رؤية J.C.R. Licklider لشبكة عالمية، إلى عبقرية Paul Baran في تبديل الرزم، وصولاً إلى البروتوكولات الموحدة TCP/IP التي صممها Vint Cerf و Bob Kahn، كل خطوة كانت حاسمة. إن الإنترنت اليوم ليس مجرد مجموعة من الأسلاك والبروتوكولات، بل هو تجسيد لقدرة البشرية على حل المشكلات المعقدة، والتكيف مع التحديات، وبناء أنظمة تواصل عالمية غير مركزية تدفع عجلة التقدم. لقد أثبتت هذه القصة أن الابتكار الحقيقي ينبع من الحاجة، ويتغذى على التعاون، ويستمر في التطور ليغير وجه الحضارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *