من أحياء مومباي الفقيرة إلى شقة مستأجرة: رحلة مطور برمجيات على مدار 30 عاماً
بداية متواضعة صنعت إصراراً استثنائياً
في عام 2021، شارك المطور Santosh Yadav جانباً مؤثراً من حياته، حين انتقل من حيّ فقير عاش فيه 29 عاماً إلى شقة مستأجرة في مبنى متعدد الطوابق. لم تكن هذه الخطوة مجرد انتقال سكني، بل كانت نتيجة رحلة طويلة من الكفاح والتعلم والتطور المهني.

وُلد في مدينة مومباي، وعاش طفولته في بيئة صعبة مليئة بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية. وكأي شاب في تلك المرحلة، لم يكن طريقه الدراسي مستقراً منذ البداية، بل واجه تعثراً واضحاً في نتائج المرحلة الثانوية، ما جعله غير متأكد من مستقبله الأكاديمي.
التحول نحو علوم الحاسوب
جاءت نقطة التحول حين أخبر أحد أصدقاء والده العائلة بوجود برامج Diploma متخصصة. تقدّم إليها، وتم قبوله، ثم اختار تخصص Computer Science بسرعة، دون أن يدرك أن هذا القرار سيغيّر حياته بالكامل.
حاجز اللغة لم يكن النهاية
لم تكن اللغة الإنجليزية لغته الأم، وقد درس في بيئة تعليمية كانت فيها اللغة الهندية هي الأساس. هذا جعله يواجه صعوبة حقيقية في فهم المحاضرات والتفاعل داخل القاعة الدراسية، خاصة مع اختلاف اللكنة وطريقة النطق.
في إحدى اللحظات، وصل به الإحباط إلى حد البكاء داخل الفصل لأنه لم يفهم ما يُشرح. ورغم نتائجه الضعيفة في الاختبارات الداخلية، لم يكن الاستسلام خياراً مطروحاً هذه المرة. قرر أن يعيد بناء نفسه:
- زاد ساعات الدراسة اليومية.
- توقف عن لعب الكريكيت مؤقتاً.
- ابتعد عن مصادر التشتيت.
- ركز على هدف أساسي: ألّا يرسب في السنة الأولى.
بمرور الوقت، تحسن أداؤه تدريجياً. حصل على نحو 50% في السنة الأولى، ثم ارتفع مستواه في السنة الثانية، وفي السنة النهائية تجاوز 60%. كانت هذه المرحلة دليلاً عملياً على أن الالتزام الجاد قد يعوض البدايات الصعبة.
أزمة مالية كادت توقف الدراسة
بعد إنهاء برنامج Diploma، أراد استكمال دراسته الجامعية في تخصص CS. لكن أثناء دراسته، فقد والده عمله، وبدت الرسوم الدراسية عبئاً يفوق قدرة الأسرة، إذ كانت تقترب من 42k روبية سنوياً.
في لحظة مؤثرة، طلب منه والده أن يبدأ في البحث عن وظيفة لأنه لم يعد قادراً على تحمّل التكاليف. كانت ليلة قاسية، لكن والدته أصرت على أن يُكمل دراسته مهما كان الثمن. وبمساندة العائلة، خاصة عمه، تمكن من الاستمرار.
التعليم بدعم الأسرة والأصدقاء
التحق ببرنامج البكالوريوس في علوم الحاسوب في إحدى كليات جامعة مومباي. ورغم أن الكلية لم تكن من المؤسسات الأعلى تصنيفاً، فإنه كان ممتناً لهذه الفرصة. لاحقاً، ومع تدهور أوضاع الأسرة المالية، فكّر في التوقف مجدداً، لكن أصدقاءه وأفراد أسرته ساعدوه على الاستمرار حتى أنهى دراسته بنتيجة قاربت 70%.
ومن المواقف التي تكشف صعوبة المرحلة:
- الاعتماد على استعارة الكتب من المكتبة لعدم القدرة على شرائها.
- مساعدة بعض الأساتذة في توفير الكتب وقت الامتحانات.
- التفكير الجدي في ترك الدراسة بسبب الضائقة المالية.
- التدخل الحاسم من العائلة لتأمين الرسوم.
دخول سوق العمل في زمن الركود الاقتصادي
بعد التخرج، اعتقد أن المرحلة الأصعب انتهت. لكن الواقع كان مختلفاً، إذ تزامن دخوله إلى سوق العمل مع أزمة الركود الكبرى عام 2008، وهي فترة شهدت تراجعاً في التوظيف لدى كثير من الشركات.
أشار أصدقاؤه إلى أنه يمتلك موهبة جيدة في البرمجة، فبدأ يقترب أكثر من هذا المسار، واكتشف شغفه الحقيقي مع لغة C#. وبعد عدة أشهر من الانتظار، حصل على أول وظيفة براتب شهري متواضع بلغ نحو 5k INR.
البداية المهنية: رواتب بسيطة وتعلّم عميق
تنقل بين أعمال مختلفة في بداياته، منها دعم تقني يتطلب معرفة باستعلامات SQL، ثم حصل في عام 2010 على فرصة للعمل على تطبيق Windows باستخدام C#. ورغم انخفاض الراتب، استغل الفرصة للتعلم العملي وتطوير مهاراته.
تعلّم خلال هذه المرحلة:
- كتابة الاستعلامات في
SQL. - إنشاء
Stored Proceduresوfunctions. - تطوير تطبيقات سطح المكتب باستخدام
C#. - الاستفادة من فترات هدوء العمل في صقل المهارات.
وخلال أقل من عام، حصل على عرض وظيفي بزيادة وصلت إلى 100%، وكانت هذه أول قفزة مهنية حقيقية في مسيرته.
العمل في شركة ناشئة وبناء الثقة المهنية
في عام 2011، انضم إلى شركة ناشئة، وبقي فيها خمس سنوات. كانت هذه الفترة مهمة جداً في تشكيل شخصيته المهنية. الراتب أصبح أفضل، والمزايا الوظيفية تحسنت، كما بدأ يشعر بتقدير حقيقي لجهوده.
تميّز بسرعة الإنجاز، وحرص على تقديم أفضل ما لديه، ما ساعده على بناء علاقة قوية مع الفريق والإدارة. وتعلم هنا درساً مهماً: ليس كل شخص يحصل على بداية مثالية، لكن الأداء الجاد والمتقن قد يصنع الفرصة التي ينتظرها.
حين تتقاطع الحياة الشخصية مع الضغط المالي
رغم تحسن العمل، لم تصبح الحياة سهلة. خلال حمل زوجته، ظهرت مضاعفات خطيرة في الشهر السادس، واضطر الأطباء إلى إجراء عملية عاجلة، مع احتمالات غير مؤكدة بشأن نجاة الطفلة. كان نقلها إلى مستشفى متخصص مكلفاً للغاية، لكنه قرر أن يفعل كل ما يستطيع لإنقاذها.
بلغت تكلفة العلاج والرعاية الطبية نحو 8L روبية، في حين غطى التأمين نسبة ضئيلة فقط. اضطر إلى:
- الحصول على قروض شخصية من البنك.
- الاستعانة بدعم مالي من الأصدقاء.
- طلب زيادة استثنائية في الراتب من الإدارة.
ولحسن الحظ، وافقت الإدارة على زيادة كبيرة في راتبه، مما ساعده على تجاوز جزء من الأزمة. وُلدت ابنته بوزن منخفض جداً، لكنه واصل العمل والذهاب يومياً إلى المستشفى لمدة ثلاثة أشهر حتى تحسنت حالتها.
هذه المرحلة لم تكن مجرد أزمة مالية، بل اختباراً حقيقياً للصلابة النفسية والمسؤولية الأسرية.
بناء منزل من الصفر والبحث عن استقرار أفضل
عندما غادر منزل والديه ليبدأ حياته الأسرية المستقلة، لم يكن يملك مدخرات حقيقية. عاش مع زوجته وابنته في منزل مستأجر بسيط، من دون أثاث كافٍ، وحتى من دون سرير في البداية. لاحقاً اشترى مراتب للنوم، ثم تمكّن من شراء حاسوب محمول في عام 2015 ليطوّر نفسه برمجياً.
تكشف هذه المرحلة حقيقة يغفل عنها كثيرون: أحياناً تبدو حياة المتخصصين في التقنية مستقرة من الخارج، بينما تكون مليئة بالتحديات في الداخل. ومع ذلك، واصل الاستثمار في نفسه وفي أسرته.
دروس عملية من هذه المرحلة
- الدخل المحدود لا يمنع التطور إذا وُجدت الأولويات الصحيحة.
- امتلاك أدوات التعلم، مثل
laptop، قد يفتح أبواباً مهنية كبيرة. - الأصدقاء الحقيقيون قد يكون لهم أثر حاسم في أصعب اللحظات.
- الاستقرار الأسري عنصر مهم في النجاح المهني طويل الأمد.
التوازن بين العمل والأسرة
بين عامي 2012 و2015، مرّ بلحظات كثيرة شعر فيها بالرغبة في الاستسلام. لكن شعوره بالمسؤولية تجاه أسرته كان دافعاً أساسياً للاستمرار. ومع تراكم الخبرة، تشكلت لديه قناعة واضحة: العمل لساعات تتجاوز الحد الطبيعي ليس بطولة، بل استنزاف قد يسلب الإنسان وقته مع أسرته وصحته.
لهذا أصبح أكثر حرصاً على:
- الالتزام بساعات عمل صحية.
- تخصيص وقت فعلي للعائلة.
- التعلم الذاتي خارج إطار الوظيفة.
- بناء مشاريع ومهارات تخدم مستقبله.
الانتقال إلى مدينة بونه وتوسيع الأفق المهني
في عام 2016، غادر الشركة الناشئة بسبب بيئة إدارية مرهقة، وانتقل إلى مدينة Pune للعمل في شركة متعددة الجنسيات. هذا الانتقال لم يكن مهنياً فقط، بل كان تحولاً في نمط الحياة أيضاً.
هناك، بدأ يمنح أسرته وقتاً أكبر، وتوقف عن العمل المفرط، كما بدأ في كتابة مقالات تقنية حول .Net وAngularJS وAngular. ومع الوقت، صار يقدم تدريبات تقنية مدفوعة، ما أضاف مصدراً جديداً للدخل وساعده على تحسين ظروف أسرته.
بفضل هذا التطور، تمكن من:
- شراء سرير مناسب للمنزل.
- إلحاق ابنته بمدرسة جيدة.
- سداد جزء من القروض.
- تحسين جودة الحياة اليومية للأسرة.
تحديات جديدة رغم التحسن
لم تستمر الراحة طويلاً. في عام 2018، واجه تجربة محبطة بعدما أمضى أربعة أشهر في تسجيل دورة تدريبية ولم يحصل على مستحقاته المالية. كما دخل في خلاف مع جهة كان يتعاون معها في التدريب، فقرر المغادرة.
ثم جاءت ضربة أكثر قسوة حين شُخّصت ابنته بمرض TB. كان ذلك مرهقاً نفسياً، خاصة أنه في تلك الفترة كان قد انضم إلى Deutsche Bank. ورغم أن وضعه الوظيفي كان جيداً من حيث الراتب وضغط العمل، فإن وقته وطاقته لم يسمحا له بالمشاركة المجتمعية بالشكل الذي كان يطمح إليه.
العودة القوية عبر المجتمع التقني والمصادر المفتوحة
بعد عام صعب، قرر في 2019 أن يعود بشكل مختلف. كان يريد تقديم قيمة للمجتمع التقني، لكنه لم يكن يعرف من أين يبدأ. حضر أول مؤتمر له عن Angular، وهناك تحدث مع أحد أعضاء الفريق وطلب نصائح عملية حول المساهمة.
بعد المؤتمر، بدأ يبحث عن فرص للمساهمة في البرمجيات مفتوحة المصدر OSS. لم يجد فرصة مناسبة مباشرة في مستودع Angular، فاتجه إلى NgRx، وهناك أنجز أول PR له في 28 Feb. وبعد فترة قصيرة، قدم أول مساهمة أيضاً في مستودع Angular.
لماذا كانت المساهمة في Open Source نقطة تحول؟
- وسّعت شبكة علاقاته المهنية.
- رفعت جودة خبرته العملية.
- منحته حضوراً مجتمعياً حقيقياً.
- فتحت له أبواباً لم يكن يتوقعها.
ويؤكد من خلال تجربته أن البدء في Open Source لا يرتبط بعمر محدد أو بمرحلة مهنية معينة، بل يمكن أن يحدث في أي وقت إذا توفرت الرغبة والالتزام.
الكتابة التقنية وبناء السمعة المهنية
بعد فترة انقطاع عن الكتابة، عاد لنشر محتوى تقني متخصص. شجعه فريق NgRx على تحويل إحدى مساهماته إلى مقال تقني، وساعدوه في المراجعة حتى نُشر المقال على منصة inDepth.dev. كانت هذه الخطوة فارقة، لأنها نقلته من مجرد مطور يكتب الشيفرة إلى محترف يشرح المعرفة ويشاركها مع الآخرين.
أول مشروع مفتوح المصدر وتأثيره الفعلي
في منتصف 2019، بدأ تطوير مشروعه الشخصي الأول في المصادر المفتوحة. تعلّم مفهوم Angular Builders، ثم أنشأ أداة خاصة لتسهيل النشر على Netlify، ونشرها عبر NPM.
رابط المشروع:
https://github.com/ngx-builders/netlify-builder
حقق المشروع انتشاراً جيداً، وأصبح يُستخدم في أكثر من 200 مشروع على GitHub، بل ودخل أيضاً ضمن توثيق Angular Docs. وهذا يؤكد أن مشروعاً صغيراً لكنه عملي قد يكون أكثر تأثيراً من أفكار كبيرة لا تُنفذ.
أول حديث في مؤتمر تقني
تقدّم لإلقاء أول محاضرة له في مؤتمر NgSrilanka بعد أن رأى إعلاناً على Twitter يطلب متحدثين. خلال أسبوع واحد، تم تأكيد مشاركته. وقف للمرة الأولى أمام نحو 300 مطور، وكان التوتر طبيعياً جداً.
لكن هذه التجربة علمته درساً مهماً: لا أحد يبدأ متحدثاً بارعاً من أول مرة. التطور يأتي من الممارسة، ومراجعة الأداء، والتعلم من الأخطاء.
الانضمام إلى برنامج Google Developer Expert
في أغسطس من عام 2019، تلقى رسالة عبر LinkedIn من أحد مسؤولي Google يسأله إن كان مهتماً بالتقديم إلى برنامج Google Developer Expert في مجال Angular. تم قبول طلبه في سبتمبر، ثم أُعلن رسمياً حصوله على اللقب في 13 November، وهو يوم ميلاده.
ما يميز هذه الخطوة أن هدفه الأساسي لم يكن اللقب نفسه، بل العطاء للمجتمع. وعندما يكون التركيز على القيمة الحقيقية، تأتي النتائج غالباً بشكل طبيعي.
دعم جهة العمل الجديدة وأهمية الثقافة المؤسسية
في نهاية 2019، اضطر إلى مغادرة عمله في Deutsche Bank في ظروف غير مريحة. لكن جهة عمله الجديدة قدّمت له دعماً واضحاً، وأكدت له أن انضمامه إليهم ما زال قائماً. هذه التجربة أبرزت له أن المؤسسات ليست سواء، وأن بعض الشركات تقدّر موظفيها فعلاً وتدعم مشاركاتهم في المجتمع التقني.
إطلاق Tech Talks with Santosh وتوسيع الأثر
بعد فبراير 2020، أصبحت الظروف أكثر استقراراً. استأنف مشاركاته في المؤتمرات، وعاد إلى المساهمة في OSS، كما أطلق برنامجه الحواري التقني بعنوان Tech Talks with Santosh عبر YouTube:
https://www.youtube.com/TechTalksWithSantosh
يمثل هذا المشروع امتداداً طبيعياً لمسيرته، لأنه يجمع بين الخبرة التقنية، والرغبة في التعليم، وخدمة مجتمع المطورين.
أن يصبح أول GitHub Star من الهند
في مارس 2020، أطلقت GitHub برنامج GitHub Star. يتميز هذا البرنامج بأن الانضمام إليه لا يتم عبر ترشيح ذاتي، بل من خلال ترشيحات قادمة من مطورين آخرين في المجتمع.
شارك منشوراً يعرّف بالبرنامج وشجّع الآخرين على ترشيح من يستحق. لم يكن يتوقع أن يتلقى عدداً كبيراً من الترشيحات باسمه، لكنه فوجئ برسالة تطلب منه إرسال ملفه الشخصي. وفي نوفمبر، أُعلن رسمياً اختياره كأول GitHub Star من الهند.

بالنسبة له، لم يكن التكريم الشخصي وحده هو الأهم، بل رؤية علم بلاده حاضراً في هذا الإنجاز العالمي.
ما الذي يمكن أن نتعلمه من هذه الرحلة؟
| المحطة | الدرس الأبرز |
|---|---|
| التعثر الدراسي | النتائج الضعيفة لا تحدد المستقبل. |
| ضعف اللغة الإنجليزية | المهارات يمكن بناؤها بالممارسة والصبر. |
| الأزمات المالية | الدعم الأسري والاجتهاد يصنعان فرقاً حاسماً. |
| الوظائف الأولى | البدايات المتواضعة قد تقود إلى خبرة كبيرة. |
| المصادر المفتوحة | المساهمة المجتمعية تفتح أبواب التقدير والتأثير. |
| الحياة الأسرية | النجاح المهني الحقيقي لا يكتمل من دون توازن إنساني. |
أهدافه المستقبلية
لا تزال الرحلة مستمرة، ومن بين الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها:
- زيادة المساهمة في مشاريع
Open Source. - إلهام مطورين أكثر للانخراط في المجتمع التقني.
- تطوير برنامج
Tech Talks with Santoshليصبح مساحة معرفية أوسع. - الاقتراب أكثر من حلمه بالعمل كـ
Developer Advocate.
الخلاصة التقنية
تكشف هذه القصة أن النجاح في المجال التقني لا يعتمد فقط على الشهادات أو البداية المثالية، بل على مزيج من التعلم المستمر، والمرونة النفسية، والاستثمار الذكي في المهارات، والمشاركة المجتمعية. من منظور مهني، فإن الانتقال من مطور مبتدئ إلى اسم مؤثر في Open Source وAngular يوضح أن بناء السمعة التقنية يبدأ بخطوات صغيرة لكنها منتظمة. والأهم أن الاستمرارية، لا الظروف، هي التي ترسم المآل النهائي للمسيرة.