الفائز الحقيقي من العمل عن بعد: المساهمون وهيكل التكاليف المتغير
في المشهد المهني المعاصر، أصبح العمل عن بعد ظاهرة عالمية متسارعة، حيث يعمل ملايين الأفراد عن بعد بدوام كامل في وظائف متنوعة تتطلب مهارات تقنية عالية، مثل تصميم الويب، وهندسة البرمجيات، وإدارة المنتجات، وكتابة المحتوى. تتبنى الشركات هذا التحول نحو توظيف وتمكين الموظفين عن بعد لأسباب متعددة، منها زيادة إنتاجية القوى العاملة والوصول إلى مجمعات مواهب جديدة.
ومع ذلك، هناك سبب آخر، غالبًا ما يُذكر بشكل أقل ولكن يبدو بنفس القدر من الأهمية، وهو أن التحول إلى قوة عاملة عن بعد يقلل بشكل كبير من تكاليف الشركة. في نهاية المطاف، تعود وفورات التكاليف هذه بالنفع على المساهمين. في هذا المقال، سنشرح هيكل التكاليف الذي يجب على الشركات، وخاصة شركات التكنولوجيا، إدارته، وكيف يعيد العمل عن بعد تشكيل هذا الهيكل لصالح المساهمين.
فهم الأبعاد المالية لهيكل التكاليف في الشركات
تدير جميع الشركات ثلاثة أنواع رئيسية من التكاليف التي تؤثر بشكل مباشر على أدائها المالي وربحيتها. فهم هذه الفئات ضروري لتحليل كيفية تأثير العمل عن بعد على النتائج النهائية للشركات.
1. الممتلكات والمصانع والمعدات (PP&E)
عندما تحتفظ الشركة بمكتب أو مقر رئيسي ضخم (كما هو الحال مع عمالقة مثل Google و Facebook و Apple)، فإنها تتحمل تكاليف الأثاث والأراضي والمباني والآلات التي تدعم أعمالها. تُصنف هذه الأصول الثابتة، التي يُتوقع استخدامها لمدة عام واحد على الأقل، ضمن بند PP&E في الميزانية العمومية للشركة. يمثل هذا البند استثمارًا رأسماليًا كبيرًا يُعرف اختصارًا بـ CAPEX (Capital Expenditure).
2. المصاريف التشغيلية (Operating Expenses)
تُعد المصاريف التشغيلية فئة ثانية من التكاليف التي يجب على الشركات إدارتها للحفاظ على استمرارية العمليات. تشمل هذه التكاليف فواتير الخدمات (كهرباء، ماء، إنترنت)، التأمين، الضرائب، وكشوف الرواتب التي تدفعها الشركة للبقاء عاملة. هذه المصاريف متكررة وضرورية للعمليات اليومية.
3. مصاريف البيع والمصاريف العمومية والإدارية (SG&A)
أخيرًا، تحتاج الشركة إلى وضع ميزانية لمصاريف SG&A (Selling, General, and Administrative expenses)، وهي مجموع جميع مصاريف البيع المباشرة أو غير المباشرة والمصاريف الإدارية العامة التي تتكبدها الشركة. تشمل هذه الفئة تكاليف التسويق، الإعلان، الرواتب الإدارية، الإيجارات المكتبية، اللوازم المكتبية، وغيرها من النفقات غير المرتبطة مباشرة بالإنتاج.
كيف يعيد العمل عن بعد تشكيل هيكل التكاليف؟
من خلال توجيه الموظفين للعمل من مكاتبهم المنزلية (أو مساحات العمل المشتركة عن بعد)، يمكن للشركات تحقيق أمرين مهمين في آن واحد: تقليل تكاليفها الثابتة والمتغيرة، ونقل جزء من هيكل تكاليفها من ميزانيتها العمومية إلى ميزانية موظفيها.
تخفيض النفقات الرأسمالية (CAPEX) وتكاليف PP&E
لن تحتاج الشركات إلى استثمار الكثير في المباني والمعدات، مما يؤدي مباشرة إلى انخفاض CAPEX. هذا الانخفاض في استخدام الأصول الثابتة سيقلل من بند PP&E في الميزانية العمومية، مما يعزز التدفق النقدي للشركة. يؤدي التدفق النقدي الأعلى بدوره إلى نمو متوقع أعلى وارتفاع في أسعار الأسهم بمرور الوقت.
خفض الرواتب ومصاريف SG&A
يمكن للشركات أيضًا تقليل الرواتب وتخفيض التكاليف الإدارية للشركات، مما يؤدي إلى انخفاض SG&A. هذا ينتج عنه صافي دخل أعلى لحاملي الأسهم. يتجلى هذا التخفيض في الرواتب من خلال قدرة الشركات على دفع أجور أقل للموظفين خارج المناطق ذات الكثافة السكانية العالية حيث تتركز غالبية القوى العاملة حاليًا. فتوظيف المواهب خارج المناطق الحضرية الكبرى يمكّن الشركات من دفع أجور تتناسب مع تكاليف المعيشة المحلية. على سبيل المثال، سيكلف مهندس برمجيات في New Hampshire أو Montana شركة Facebook أقل من نفس المهندس الموجود في New York City أو Bay Area.
وقد أوضح Mark Zuckerberg، الرئيس التنفيذي لـ Facebook، أن الشركة «ستعدل الرواتب حسب موقعك… هذا يعني أنه إذا كنت تعيش في مكان تكون فيه تكلفة المعيشة أقل بكثير، أو تكلفة العمالة أقل، فإن الرواتب تميل إلى أن تكون أقل إلى حد ما في تلك الأماكن».
يمكن تعميم هذا التخفيض في التكاليف ليشمل مصاريف SG&A الأخرى. فالإيجار، وفواتير الخدمات، واللوازم المكتبية هي ثلاثة أمثلة حيث يمكن لـ Facebook نقل التكاليف من ميزانيتها العمومية إلى ميزانية موظفيها، الذين سيُتوقع منهم على الأرجح، من بين أمور أخرى، تدفئة وتبريد بيئات عملهم المنزلية، وإعداد قهوتهم وطعامهم، أو تنظيف مساحات عملهم المنزلية – على نفقتهم الخاصة. من المرجح أن يؤدي هذا التحول في هيكل التكاليف إلى فوائد غير متناسبة للمساهمين، لأن أرباح الشركة تزداد عندما تنخفض التكاليف، مع بقاء جميع العوامل الأخرى ثابتة.
دراسة حالة: فيسبوك والتحول نحو العمل عن بعد
تقدم شركة Facebook دليلاً واضحًا على هذا الاتجاه. فقد صرح مؤسسها والرئيس التنفيذي Mark Zuckerberg مؤخرًا أن ما يصل إلى 50% من القوى العاملة في Facebook يمكن أن تعمل عن بعد خلال السنوات الخمس إلى العشر القادمة. ما هي البيانات التي تدعم هذه السياسة؟
لنفحص البيانات المالية لـ Facebook:
- ارتفاع تكاليف
SG&A: شهدت تكاليفSG&AفيFacebookنموًا هائلاً في السنوات الثلاث الماضية. في عام 2019، زادت بنسبة 80% عن عام 2018، الذي شهد بدوره زيادة بنسبة 56% عن عام 2017، الذي زاد بنسبة 32% عن عام 2016. - زيادة المصاريف التشغيلية: ارتفعت المصاريف التشغيلية السنوية لـ
Facebookلعام 2019 بنسبة 51.05% عن عام 2018، وزادت لعام 2018 بنسبة 51.22% عن عام 2017، الذي ارتفع بنسبة 34% عن عام 2016. - تباطؤ نمو الإيرادات: على الرغم من زيادة إيرادات
Facebook، إلا أن معدل النمو يتباطأ. زادت الإيرادات السنوية لعام 2019 بنسبة 27% عن عام 2018، بينما زادت لعام 2018 بنسبة 37% عن عام 2017، الذي ارتفع بنسبة 47% عن عام 2016.
تُظهر هذه الأرقام أن مصاريف SG&A والمصاريف التشغيلية لـ Facebook تتزايد بوتيرة أسرع من معدل نمو إيراداتها. لزيادة الربحية، ستحتاج Facebook إلى إيجاد طرق لخفض تكاليفها. يمثل توسيع القوى العاملة عن بعد أحد الحلول الواضحة التي يمكن أن تقلل من تكاليف PP&E و SG&A وغيرها من المصاريف التشغيلية دفعة واحدة.
ما الذي يعنيه هذا للموظفين عن بعد؟
مع تحول الشركات نحو نموذج العمل عن بعد، تظهر فرص جديدة للموظفين لطلب حزم مزايا تتناسب مع هذا الواقع الجديد. سيكون من الحكمة للعاملين عن بعد التفاوض على حزم مزايا جديدة تعكس التكاليف التي يتحملونها الآن:
- دعم فواتير الخدمات: قد يكون طلب دعم لفواتير الإنترنت أو الكهرباء أمرًا معقولًا، خاصة وأن الموظفين لم يعد لديهم مكتب للعمل منه.
- منتجات المكتب المنزلي: يجب تضمين منتجات المكتب المنزلي المخفضة – مثل الكراسي، المكاتب، الإضاءة، لوحات المفاتيح، والشاشات – كعناصر غير خاضعة للضريبة عند الانضمام إلى دور عن بعد.
- أدوات الدعم النفسي والمهني: يمكن طلب الوصول إلى الإرشاد الافتراضي أو أدوات الصحة النفسية كامتيازات أساسية لضمان النمو المهني والصحة العامة أثناء أداء العمل عن بعد.
مع تزايد انتشار العمل عن بعد، سواء للعاملين بدوام كامل عن بعد أو الموظفين الذين يمزجون وقتهم بين أماكن العمل، ستنشأ نماذج عمل جديدة. ومع هذا التحول الجوهري في أسواق العمل، ستتاح للشركات فرصة فريدة لخفض التكاليف. ستحدد كيفية ومكان خفض نفقاتها معدل زيادة الأرباح. يبدو من المنطقي أن المساهمين سيستفيدون من تعزيز الربحية الناتج عن هذه التغييرات. ولكن المهندسين والمصممين ومديري المنتجات ومحترفي المبيعات الذين يعملون عن بعد يمكنهم الاستفادة أيضًا، من خلال طلب امتيازات جديدة ومحددة تمكّن العمل عن بعد، قد يحصل هؤلاء العمال على المزيد من المكاسب المستمدة من هذا التحول في سوق العمل.
الخلاصة التقنية
يُعد التحول نحو العمل عن بعد أكثر من مجرد تغيير في بيئة العمل؛ إنه إعادة هيكلة عميقة للنماذج المالية للشركات، خاصة في القطاع التقني. من خلال تقليل الاعتماد على الأصول الثابتة (PP&E) وتحسين المصاريف التشغيلية ومصاريف البيع والمصاريف العمومية والإدارية (SG&A)، تستطيع الشركات تحقيق وفورات كبيرة في التكاليف، مما يعزز التدفق النقدي وصافي الدخل. هذا التحول يصب في مصلحة المساهمين بشكل مباشر، حيث تزداد قيمة الشركة وأسعار أسهمها. ومع ذلك، يجب على الشركات أيضًا أن تدرك ضرورة دعم موظفيها عن بعد من خلال حزم مزايا مبتكرة لضمان استمرارية الإنتاجية والرضا الوظيفي في هذا المشهد المتغير. إن التوازن بين خفض التكاليف والاستثمار في رفاهية الموظفين سيكون مفتاح النجاح المستدام في عصر العمل عن بعد.